السيد المرعشي
448
شرح إحقاق الحق
التقى فيه شرف النسب ، وشرف النفس ، والعزة الهاشمية ، مع العلم الذي انصرف إليه ، ولم يجد عملا له دون سواه . وقد قالوا إنه لقب بالباقر لأنه لما اشتهر بالعلم ونفاذ البصيرة فيه قيل كأنه بقر العلم أي شقه ووصل إلى لبابه وأقصى غايته . وعمه الإمام زيد بن علي أستاذ أبي حنيفة ، وصاحب واصل بن عطاء ، كان عالما في الفقه وفي العقائد ، وحسبك أن أبا حنيفة شيخ الفقهاء قد أخذ عنه . وابن عمه عبد الله بن حسن كان إماما في الفقه والحديث ، وقد أخذ عنه أبو حنيفة أيضا . فالإمام جعفر نشأ في ذلك البيت العلمي ، وكان مقامه مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت مثابة الحديث ، وفقه الصحابة والتابعين ، ولذلك كان من أعلم الناس بأقوال العلماء وقد علم فقه الأثر ، وفقه الرأي معا ، ولقد قال أبو حنيفة في مقدار علمه " ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق " . وقد روي أن أبا جعفر المنصور قال : يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهيئ من المسائل الشداد ما تسأله به ، فهيأ له أربعين مسألة ، وإن أبا حنيفة يقول في لقائه وعرض هذه المسائل : " أتيته فدخلت عليه ( أي على أبي جعفر المنصور ) وجعفر بن محمد جالس عن يمينه فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور ، فسلمت عليه ، وأومأ فجلست ، ثم التفت إليه ، فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة . فقال : نعم ، ثم التفت إلي فقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله مسائلك ، فجعلت ألقي عليه فيجيبني ، فيقول : أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربما تابعنا ، وربما تابعهم ، وربما خالفنا ، حتى أتيت على الأربعين مسألة ، ما أخل منها مسألة واحدة . ثم قال أبو حنيفة : أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس . فإذا كان قد تلقى العلم بالمدينة ، فهو لم ينقطع عن علم العراق ، بل كان يعرفه كما حكى شيخ فقهاء العراق وإمام القياسين في الفقه الاسلامي .